إنها النسخة العاشرة. تأخرت في كتابة رسالتي؛ فقد أردت لها أن تكون كل ما قد تحتاجين إليه، وما أحتاج إليه. لم أرد رسالة فارغة مملة، ولم أرد رسالة شاعرية تمتلئ بكلماتٍ أكبر مني. الآن، وبينما أعيد قراءة رسالتي للمرة الأخيرة قبل إرسالها، أظن أنني ربما فعلت الأمرين. لا تمتلك رسالتي شكلاً محدداً، وقد تشعرين بعشوائيتها، ولذلك أعتذر مسبقاً!
بعد تنقلي وعيشي في العديد من البلدان والمدن، لم يعد مفهوم “البيت” كما كان بالنسبة لي، ولذا قررت في النهاية أننا نصنع بيوتنا في قلوبنا. تفرّق بعض اللغات بين “البيت” و”المنزل”، بينما لم أكن، لوقتٍ طويل، أدرك الفرق، إذ إن عائلتي التي تنقلت طويلاً حملت بيتنا معنا. كنا نحتضن بعضنا، ولم أعرف معنى المنزل البارد إلا لاحقاً، حين بقي البيت مع أهلي وغادرتُ أنا. في وقتٍ ساءت فيه الأوضاع في وطني إلى مرحلة اللاعودة، أتى قرار المغادرة سهلاً، ثم أصبح صعباً.
أود إخباركِ أنني أحاول كل يوم. أريد أن أكون سعيدة—حقاً! أستيقظ وأحاول أن أصبح أفضل نسخة من نفسي، أكتب قائمةً طويلة، ثم أنسى أين وضعتها، ويضيع نهاري في متابعة الأخبار. هل تتابعين الأخبار مثلي؟ أحياناً أقول لنفسي إن عليّ التوقف عن متابعة ما يحصل، فما من جديد، لا زلنا أرقاماً بالنسبة لدول “العالم الأول”—نحن إما أرقام أو إرهابيون—ويضحكني أحياناً حين ينظر إليّ شخص ما بعنصرية ممزوجة بالخوف. أود أن أصرخ في وجهه “بووو”، لكني أحني رأسي وأسير مسرعة، علينا إبقاء رقابنا محنيةً هنا، لا يمكن لأحد أن يعلم أننا وصلنا أو أننا ننوي البقاء. هل ترفعين رأسكِ حين تسيرين؟ أتمنى ذلك، أتمنى لكِ أن تكوني أقوى مني وفي مكانٍ أفضل.
أظن أني بدأت رسالتي بنيّة التفاؤل، وانتهى بي الأمر بجعلكِ بائسةً. دعيني أبدأ من جديد…
الحقيقة أن الأمر ليس بذاك السوء، لكن شاء القدر أن تُكتب الرسالة في وقتٍ سيئ. الحقيقة أنني أستيقظ سعيدة في كثير من الأحيان، وأنني وصلت فعلاً إلى جواب عن حقيقة الحب. ثقي أنكِ ستجدين الحب دائماً، أو سيجدكِ، من خلال أشخاص أو أماكن أو أشياء، وكلما تقدمتِ في العمر سترين الحب بشكل أوضح. صدقيني.
في نهاية رسالتي، أود إخباركِ بخدعة جعلتني لا أزال ماضيةً في طريقي. إنها كالتالي: في كل مرة أواجه فيها رفضاً أو مصيبة، أتخيل الشيء الذي أرغب في حدوثه مختبئاً خلف كومةٍ من المصائب أو المصاعب، وأن حصول شيء سيئ يعني اقترابي من تحقيق هدفي. بجعل الأمور مادية، تخف وطأتها المعنوية. لا أعلم إن كانت هذه الطريقة فعالة أو أنني أخدع نفسي، لكن في كلتا الحالتين، يدفعني ذلك إلى ألا أستسلم. لا أعلم، ربما ستساعدكِ!
أتمنى أن تكوني قد وجدتِ في رسالتي—على الأقل— صديقةً تشارككِ شعوراً ما. أتمنى أن يصبح العالم عادلاً معنا، وأن نجد مكاناً آمناً في النهاية، وأن نكون سعيدات. أتمنى لكِ أن تستيقظي كل يوم ولديكِ شيء تتطلعين إليه. أتمنى أن تتوقف الغربة عن كونها غربة، وتصبح بيتاً بين أشخاص نحب.
محبتي
فرح