إن فهم دوافع جرائم القتل عموماً وجرائم قتل النساء والفتيات خصوصاً يمكن أن يعمل إذا ما تم استخدامه لهذا الهدف على الحد منها والتصدي لها، تكمن المشكلة الرئيسية في التعاطي مع دوافع جرائم قتل النساء والفتيات  كحالات فردية والإصرار على إنكار البُنى الاجتماعية والثقافية والقانونية والاقتصادية والسياسية التي تشجع عليها وتسمح بحدوثها.

يمكن أن تعكس الدوافع الآنية لجرائم قتل النساء والفتيات أبعاداً لبُنى اضطهاد قائمة وعنيفة، على سبيل المثال جرائم قتل النساء والفتيات التي تأتي غضباً لعدم قيامهن بعمل منزلي ما أو قيامهنّ به بصورة غير مرضية تعكس كيف تبني وتعزز تقسيمة الأدوار الاجتماعية ولاسيما الأعمال المنزلية والرعائية غير مدفوعة الأجر، العنف ضد النساء والفتيات؛ وهنا نرى ضرورة إعادة قراءة الجرائم بهذه العدسة ونرفض الفصل ومناقشة القضايا بمعزل عن بعضها البعض؛ إذ لا يمكننا مناقشة الأعمال الرعائية والمنزلية بمعزل عن العنف الذي قد يصل إلى القتل عند رفض النساء القيام بهذه الأدوار أو جزء منها؛ ويمتد ذلك إلى قضايا أخرى مثل؛ الحق في حرية الحركة والتنقل والسكن، والحق في التعليم والعمل، والحق في الميراث والاستقلالية المالية، والحق باختيار الشريك، الحق في الانفصال والحق في الحريات الجسدية والجنسية؛ جميعها حقوق تقتل النساء والفتيات على خلفية الحرمان منها.

“إثر خلافات عائلية” ، ” بسبب زواجها بوافد”، “لرفضها تنظيف الصالون”… أسباب أم مبررات

بدلاً من تحمُّل الإعلام دوراً اجتماعياً ثقافياً إيجابياً تجاه هذه القضايا عبر تفكيك أبعادها ومناقشتها، يلعب الإعلام دور المحرض على جرائم قتل النساء إذ يجعل هذه الجرائم تبدو كمصير حتمي للنساء والفتيات اللواتي تعرضن لها فيأتي “سبب القتل” جزءًا من عنوان الخبر، كأنه تحذير للنساء من اتخاذ مسار شبيه بمسار المغدورة ببديهية ودونما أي نقد وتحليل، تأتي معظم الأخبار مختزلة في أسطر عن رجل ثار غضبه أو تناول مواد مسكرة أو مخدرة ما دفعه لقتل إحدى نساء العائلة، بينما تكتب أخبار تفصيلية عن رجل “شك في سلوك ” زوجته فقتلها أو آخر قتل أخته لزواجها دون موافقة العائلة فيسرد الخبر بأحداث تفصيلية عن مسارها وتخطيط شقيقها للجريمة، في حالة أخرى نجد كاتب الخبر يحلل الوضع الاقتصادي والاجتماعي للقاتل دون أي اكتراث لحياة المغدورة ما يصور النساء كأدوات تفريغ لآثار العنف الاقتصادي الواقع على الرجال ودونما تفكيك للعنف القائم على النوع الاجتماعي والموجه ضد النساء كأحد أشكال العنف القائمة بحد ذاتها

من ينقل صوت الطفلات والأطفال ؟

بتاريخ 12.5.2024 نُشر خبر عن الحكم بحبس امرأة ل8 سنوات لقتلها طفلتها ذات الست سنوات بعد إسقاط الأب للحق الشخصي، في القصة طبقات من العنف، بدايةً حُرِمَت الطفلة من الرعاية الوالدية لمدة أربع سنوات حيث ولدت مع توأم ذكر، فضلت العائلة الاحتفاظ به ورعايته فيما أرسلت الطفلة لجدتها، لاحقاً وبعد عودتها للعيش مع والديها تعرضت الطفلة لشتى أشكال العنف والتعذيب حيث سُجِنَ والدها عدة مرات لضربها، وأحيل ووالدتها إلى المحكمة على خلفية تعذيبها بعد نشر الخبر على موقع فيسبوك وتوجيه نداء لمدير الأمن العام من أجل مساعدتها وحمايتها.

هذا لم يمنع حماية الأسرة من إعادتها إلى والديها حتى بعد تبيان الخطر القائم على حياتها، ليتعامل القضاء لاحقاً مع مقتلها كحدث منفصل باعتباره قتلاً عن غير عمد وضرباً مفضياً إلى الموت كأن الطفلة قُتلَت في مشاجرة مع أشخاص مماثلين لها في القوة

فإذا لم يكن تعذيب طفلة لسنوات وإجبارها على القيام بأعمال منزلية وضربها دون رادع قتلاً عمداً فما هو القتل العمد إذن، وكيف تتجاهل المنظومة القانونية كون الأب شريكاً في العنف والجريمة وتمنحه الحق بإسقاط الحق الشخصي بدلاً من محاسبته كشريك في الجريمة.

تعكس هذه الجريمة العقلية التي يتم التعامل بها مع الطفلات والأطفال ومدى أخد قضاياهم بجدية واعتبارهم جزء من ملكية الأهل واعتبار العنف ضدهم جزءاً من التربية ما ينتج عنه اعتبار قتلهم نتيجة لهذا العنف خطأً عرضياً وليس جريمةً كاملة الأركان

بتاريخ 27.5.2024 نُشِر خبر عن الحكم على عاملة مهاجرة سريلانكية بالسجن لمدة 20 عام لقتلها وليدها الذكر، في القصة أيضاً تركيبات عديدة ترتبط بظروف وجود العاملات المهاجرات في الأردن التي دفعت هذه العاملة لارتكاب هذه الجريمة، لكن هذه أيضاً ليست الجريمة الوحيدة التي ارتُكبَت بحق مواليد جدد بموافقة الأم أو غصباً عنها ما يضع قضايا كالحق في الإجهاض وتوافر حبوب منع الحمل الطارئة والوضع القانوني والاجتماعي للنساء اللواتي وضعن أطفالاً خارج إطار الزواج والوضع القانوني والاجتماعي لأطفالهنّ موضع النقاش، إذ لا يمكننا النظر إلى الجريمة المُرتكَبة بحق الرضيع/ة دون النظر إلى العوامل المحيطة بها ومعالجتها، إذا كان هدفنا إنقاذ الطفلات والأطفال وحفظ حقهم في الحياة لا فقط معاقبتهم على الجريمة المُرتَكَبة

العقاب لا يمنع الجريمة

في قصص متكررة يقوم القاتل بتسليم نفسه بعد ارتكابه للجريمة ما يعني أنه واعٍ على العقوبة ولم تردعه عن ارتكاب الجريمة، في قصص مكررة أخرى نرى أن القاتل قد نال عقوبات سابقة على جرائم سابقة لكنها لم تردعه من القيام بجريمته، هذا لا يعني الدعوة للاستغناء عن العقوبة في ظل غياب سبل أخرى للمحاسبة والإصلاح بل هي دعوة لإعادة النظر في العقاب وفاعليته في الردع، وأن يكون منع الجريمة وليس الانتقام من الجاني مركز وأساس فهمنا للعدالة، وهو ما يعيدنا إلى البداية، السؤال عن جذور جرائم قتل النساء ومعالجتها، وليس البقاء على السطح، لماذا لا تقتل الخلافات الزوجية والأسرية الأزواج بقدر ما تقتل الزوجات؟

ما الذي يدفع شخص لقضاء سنوات عمره في السجن ليخطط وينفذ جريمة قتل بحق أخته لزواجها دون رضى العائلة ؟

إن العمل الجنائي والأمني غير كافٍ لمنع جرائم قتل النساء والفتيات فهناك عمل ثقافي واجتماعي واقتصادي وسياسي على مؤسسات الدولة القيام به وإلا سيستمر هدر دماء النساء وتهديد حيواتهنّ، من ناحية أخرى ما تزال القوانين تحمل مخارج لتخفيف العقوبات عن القتلة مثل الحق في إسقاط الحق الشخصي الذي يُمنَح لشركاء في الجريمة أو مستفيدين في حالات جرائم قتل النساء داخل العائلة والضرب المفضي إلى الموت (القتل غير العمد) التي تشمل حالات التعذيب والعنف المستمر ضد النساء وقد يستخدم كمخرج من قبل القتلة في حال فهمهم للقانون؛ عبر جعل جريمة قتل مخططة تبدو كضرب مفضي إلى الموت.

في عملنا على إعداد هذا التقرير رصدنا في الإعلام منذ الثاني عشر من آذار وحتى الحادي عشر من حزيران عشر جرائم قتل وحالة انتحار راحت ضحيتها أربع طفلات وست نساء فقدناهنّ ضحية للعنف الذكوري ولتداخلات عنف أخرى وتوزعت كالتالي:

  • في جنوب عمان قُتِلت أمرأة بـ15 طعنة في ليلة الأول من رمضان على يد زوجها
  • في الرصيفة قُتِلت رضيعة على يد والدتها وشريكها
  • في عجلون تعرضت امرأة للدهس على يد زوجها
  • قُتِلت إمرأة وجنينها رمياً بالرصاص على يد شقيقها
  • في الأزرق قُتِلت امرأة خنقاً على يد زوجها
  • في عمان قُتِلت فتاة حرقاً على يد والدها أثناء نومها
  • في إربد قُتِلت رضيعة بضربها وسكب الماء المغلي على جسدها على يد والدها
  • في المفرق قُتِلت طفلة ضرباً على يد والدتها
  • في الرصيفة قُتِلت رضيعة (وُلدت خارج إطار الزواج) على يد والدها
  • في سحاب قُتِلت الشابة نانسي الرقّاد ولا يوجد حتى الآن معلومات واضحة عن ظروف قتلها واختفائها
  • في عمان أنهت عاملة أجنبية حياتها في منزل كفيلها

الرحمة لأرواحهن جميعاً والنجاة لجميع النساء، نشير إلى أن هذه الجرائم هي الجرائم التي نقلها الإعلام خلال هذه الفترة وتمكننا من رصدها وليست جميع جرائم قتل النساء والفتيات والطفلات التي حدثت، مع التحفظ على دور الإعلام في تناول هذه الجرائم، وننوه ختاماً أننا ننشر هذا التقرير رفضاً للتعاطي مع جرائم قتل النساء كحوادث فردية منفصلة وتأكيداً على كونها نتيجة حتمية للعنف الممنهج المسلط على النساء، ونلتزم بنشره بشكل دوري؛ لأن حياة النساء مهمة مهما زاد القهر والعنف والإجرام من حولنا.